التعليم العالي بين الظهور الدولي والعدالة الأكاديمية
أكد الدكتور محمد فوزي عبد العال، أستاذ المخ والأعصاب والطب النفسي بكلية الطب بـ جامعة أسيوط، أن الفترة التي تولى خلالها الدكتور محمد أيمن عاشور حقيبة التعليم العالي والبحث العلمي منذ أغسطس 2022 وحتى التعديل الوزاري في فبراير 2026، مثلت تحولًا نوعيًا في فلسفة إدارة منظومة التعليم العالي المصرية، حيث انتقل الخطاب الرسمي من التركيز على “التوسع العددي” إلى “تعزيز الحضور الدولي والتنافسية العالمية”.
وأشار عبد العال إلى أن تقييم هذه المرحلة ينبغي أن يستند إلى الأرقام والاتجاهات لا إلى الانطباعات العامة، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي شهدتها منظومة الجامعات المصرية.
قفزة في التصنيفات الدولية
أوضح عبد العال أن السنوات الثلاث والنصف الماضية شهدت تقدمًا ملحوظًا في ملف التصنيفات الدولية؛ إذ ارتفع عدد الجامعات المصرية المدرجة في تصنيف QS إلى 20 جامعة عام 2025، كما وصل عدد الجامعات في تصنيف التايمز العالمي لعام 2026 إلى 36 جامعة، مع دخول 9 جامعات ضمن أفضل 1000 جامعة عالميًا، مقارنة بأرقام أقل بكثير في 2023.
كما ارتفع عدد الجامعات المصرية في تصنيف التأثير العالمي من 28 جامعة عام 2023 إلى 51 جامعة في 2025، بنسبة نمو تقارب 82% خلال عامين، وهو ما يعكس – بحسب وصفه – تعزيزًا واضحًا للحضور المؤسسي المصري على الساحة الدولية.
1100 باحث مصري في قائمة ستانفورد
وأضاف أن أكثر من 1100 باحث مصري أُدرجوا ضمن قائمة ستانفورد لأعلى الباحثين تأثيرًا عالميًا، وهو مؤشر يعكس ارتفاع معدلات النشر العلمي والاستشهادات الدولية، خاصة مع توسع الاعتماد على بنك المعرفة المصري، وتعزيز التعاون البحثي الدولي، وربط الأداء البحثي بمؤشرات القياس العالمية.
تحديات داخلية لم تُحسم
في المقابل، أشار عبد العال إلى أن بعض التحديات الهيكلية ما زالت قائمة، موضحًا أن تقارير وطنية موحدة بشأن توزيع التمويل البحثي بين الجامعات لم تُنشر بصورة تفصيلية، ما أبقى على فجوة بين جامعات العاصمة والجامعات الإقليمية، لا سيما في الصعيد والدلتا.
كما لفت إلى محدودية البيانات الرسمية المتعلقة بنسبة توظيف الخريجين ومدى توافق البرامج الدراسية مع احتياجات سوق العمل، وهو ما يعني أن تحسن التصنيفات الدولية لم يصاحبه بالضرورة تحسن مماثل في مؤشرات القابلية للتوظيف.
بين الصورة الخارجية والتأثير الداخلي
وأكد أن غياب لوحة أداء وطنية سنوية تجمع بين مؤشرات التمويل والعائد الاقتصادي للبحث العلمي وبراءات الاختراع ومعدلات التوظيف جعل التقييم يميل إلى مؤشرات “الظهور الدولي” أكثر من “الأثر التنموي الداخلي”، ما أدى إلى تركيز أكبر على تحسين الصورة الخارجية والشراكات العالمية، مقابل تراجع نسبي في ملف العدالة الجغرافية وربط البحث بالصناعة.
وأوضح أنه لا توجد وثائق رسمية تثبت تحيزًا مباشرًا لصالح جامعة بعينها، إلا أن استمرار تمركز النفوذ الأكاديمي في جامعات العاصمة يعكس نمطًا تاريخيًا لم يُكسر جذريًا خلال هذه المرحلة.
مقارنة تاريخية بين الوزراء
عند المقارنة، أشار عبد العال إلى أن مفيد شهاب ركز على التوسع الجامعي، وهاني هلال على الجودة والاعتماد، وخالد عبد الغفار على إنشاء الجامعات الأهلية، بينما جعل أيمن عاشور من التصنيفات الدولية هدفًا استراتيجيًا رئيسيًا للمنظومة.
نماذج إقليمية: السعودية والإمارات وقطر وتركيا
لفت عبد العال إلى أن تجارب دول المنطقة تقدم نماذج مختلفة، حيث ربطت المملكة العربية السعودية تطوير التعليم العالي برؤية 2030، وأنشأت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية لدمج البحث بالصناعة.
كما اتجهت الإمارات العربية المتحدة إلى استقطاب فروع جامعات عالمية مثل جامعة السوربون وجامعة نيويورك وربطها بمناطق الابتكار، بينما تبنت قطر نموذج المدينة التعليمية، وركزت تركيا على التوسع المتوازن وربط التعليم بالصناعة.
هل التصنيفات بداية الإصلاح أم بديله؟
واختتم عبد العال تصريحه بالتأكيد على أن الوزارة نجحت في بناء واجهة عالمية قوية للجامعات المصرية ورفع مستوى حضورها الدولي، لكنها لم تحقق بعد التحول الكامل نحو اقتصاد المعرفة أو العدالة الأكاديمية الشاملة.
وأشار إلى أن التحدي المقبل يتمثل في تحويل الظهور الدولي إلى تأثير اقتصادي وتنموي ملموس ينعكس على سوق العمل والصناعة والمجتمع، متسائلًا: هل كان تحسين التصنيفات خطوة أولى لإصلاح شامل، أم تحول إلى بديل عنه؟
