بوابة التعليم

سامر شقير يكتب: أرامكو تواجه الأزمات بقوة المركز المالي

الإثنين 2 نوفمبر 2026 01:36 مـ 21 جمادى أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

لم تعد قوة شركات الطاقة تقاس بحجم إنتاجها أو أرباحها فقط، بل بقدرتها على مواصلة الاستثمار وحماية الإمدادات عندما تتعرض الأسواق لأعنف الصدمات. ومن هذا المنطلق، تكشف تصريحات الرئيس التنفيذي لأرامكو، أمين الناصر، بشأن متانة المركز المالي للشركة وقدرتها على التعامل مع أزمة إقليمية غير مسبوقة، عن تحول مهم في معايير الاستثمار بقطاع الطاقة، حيث أصبحت المرونة المالية والتشغيلية عاملا حاسما في تحديد القيمة الاستراتيجية للشركات.

وتأتي هذه التصريحات في وقت فقدت فيه الأسواق نحو ثلاثة مليارات برميل من الإمدادات منذ بداية الأزمة، بينما كان نحو 20% من الطلب العالمي على النفط والغاز المسال يعتمد على المنطقة. وهو ما يعيد طرح تساؤلات جوهرية حول قدرة منظومة الطاقة العالمية على مواجهة الاضطرابات، وأهمية الشركات التي تمتلك ميزانيات قوية وتكاليف إنتاج منخفضة ومسارات تصدير متنوعة وسلاسل إمداد محلية.

وأرى أن الأزمة الحالية أثبتت أن الاعتماد على المخزونات الاستراتيجية وحدها لم يعد كافيا لضمان استقرار الأسواق. فقد ساهمت السحوبات من الاحتياطيات العالمية، وانخفاض واردات الصين البحرية، إلى جانب دور خط أنابيب شرق-غرب، في الحد من الارتفاع الحاد المحتمل للأسعار. لكن تركز الفائض الإنتاجي وتراجع المخزونات إلى مستويات منخفضة نسبيا يكشفان عن هشاشة التوازنات القائمة، ويجعلان أي اضطراب إضافي في الممرات الحيوية أكثر تأثيرا.

وفي هذا السياق، توقع الناصر ارتفاع الطلب بنحو ثلاثة ملايين برميل يوميا بعد عودة الأوضاع إلى طبيعتها، مدفوعا بالنمو الاستهلاكي وإعادة بناء المخزونات. وهو ما يعزز أهمية الاستعداد للمرحلة المقبلة، خاصة في ظل سنوات من نقص الاستثمار العالمي في القدرات الإنتاجية الجديدة.

وتبرز هنا أهمية مفهوم هامش الأمان الذي تناوله بنجامين غراهام في كتابه The Intelligent Investor، إذ لا يقتصر على تقييم الأصول والأسعار، بل يمكن تطبيقه على الشركات والدول من خلال امتلاك احتياطيات مالية وتشغيلية تحميها من الصدمات.

وتعكس أرامكو هذا النهج من خلال تمسكها بخطتها الاستثمارية، مع الإبقاء على الإنفاق الرأسمالي الاسترشادي لعام 2026 عند مستوى يتراوح بين 50 و55 مليار دولار، دون تغيير، واستمرار تنفيذ المشاريع وفق جداولها، بما فيها مشروعات التوسع في إنتاج الغاز.

كما يمثل المحتوى المحلي أحد عناصر القوة التشغيلية للشركة، بعدما تجاوزت نسبة المواد المستخدمة في أعمال الترميم خلال الأزمة والمصادر محليا 90%، فيما بلغ المحتوى المحلي نحو 70%. وهذا يقلل التعرض لاضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، ويتوافق مع رؤية مايكل بورتر في كتابه The Competitive Advantage of Nations بشأن دور الكفاءة الوطنية والتجمعات الصناعية المحلية في بناء مزايا تنافسية مستدامة.

ومن زاوية تخصيص رأس المال، أرى أن أسواق الطاقة تتجه إلى التعامل مع المرونة باعتبارها أصلا استثماريا مستقلا، وليس مجرد ميزة تشغيلية. ويظهر ذلك في خطط رفع الطاقة الاستيعابية لخط أنابيب شرق-غرب من نحو سبعة ملايين برميل يوميا إلى عشرة ملايين، مع دراسة مسارات إضافية والبدء مبكرا في الأعمال الهندسية، إلى جانب مضاعفة قدرات التخزين خارج المملكة، خصوصا في الأسواق الآسيوية.

وتتصل هذه الاستثمارات بصورة مباشرة بمستهدفات رؤية السعودية 2030، حيث تستهدف أرامكو زيادة طاقة إنتاج غاز البيع بنحو 80% بحلول 2030 مقارنة بمستويات 2021، بما يدعم استبدال الوقود السائل في توليد الكهرباء وتحرير كميات إضافية للتصدير. وهو ما يربط أمن الطاقة بالتنويع الاقتصادي ويفتح مجالات أمام صناديق الاستثمار والكيانات المرتبطة بالرؤية للمشاركة في تمويل البنية التحتية.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مسار تصدير واحد أو تقلبات الطلب الصيني، لكن التكامل بين النفط والغاز والتقنيات المتقدمة يوفر فرصا إضافية. فقد تجاوزت القيمة المحققة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في أرامكو خلال السنوات الأخيرة 11 مليار دولار، مع توقعات بتحقيق قيمة سنوية إضافية تتراوح بين ملياري وأربعة مليارات دولار، بما يعزز الكفاءة التشغيلية ويخفض التكاليف.

ويكتسب هذا التوجه أهمية إضافية في ضوء ما طرحه مورغان هاوسل في كتابه The Psychology of Money، بشأن دور الانضباط طويل الأمد في تحقيق النجاح المالي. فالمستثمر الجديد يحتاج إلى تجاوز التركيز على الأسعار اللحظية والعوائد قصيرة الأجل، والاهتمام بتقييم المرونة المالية والتشغيلية والبشرية والتكنولوجية للشركات.

وعلى مستوى الاقتصاد السعودي والخليجي، يعزز هذا المشهد أهمية برامج توطين الصناعة وسلاسل الإمداد، وفي مقدمتها برنامج اكتفاء، مع الحفاظ على المزايا التاريخية لانخفاض تكلفة إنتاج الطاقة. كما أن استمرار الأزمة أو اتساع نطاقها قد يبقي علاوة المخاطر مرتفعة، ويزيد اهتمام رؤوس الأموال المؤسسية بالشركات القادرة على تمويل استثماراتها والحفاظ على توزيعاتها عبر الدورات الاقتصادية.

وفي المقابل، تظل احتمالات التصعيد الجيوسياسي وتأثر البنية التحتية من أبرز المخاطر، بينما تبرز فرص التوسع في الغاز والطاقة المتجددة والتقنيات التي تسرع عمليات الترميم وتخفض النفقات.

وأرى أن التطورات الحالية تعيد تعريف معايير الاستثمار المؤسسي في قطاع الطاقة خلال 2026 وما بعدها. فلم يعد كافيا امتلاك احتياطيات إنتاجية ضخمة، بل أصبحت الأولوية للشركات التي تبني منظومة متكاملة من المرونة المالية والتشغيلية والتكنولوجية قبل وقوع الأزمات.

وتؤكد تجربة أرامكو أن هامش الأمان الحقيقي لا يرتبط بالأرقام المالية وحدها، وإنما بالقدرة على مواصلة الاستثمار وحماية الإمدادات والتكيف مع التحولات الجيوسياسية. وفي ظل استمرار النفط والغاز في لعب دور محوري بمزيج الطاقة العالمي، ستظل الشركات التي تجمع بين الانضباط الرأسمالي والتنويع التقني والاستدامة التشغيلية محط اهتمام المستثمرين الباحثين عن قيمة طويلة الأجل.