السبت 7 نوفمبر 2026 12:25 صـ 25 جمادى أول 1448 هـ
بوابة التعليم
×

سامر شقير يكتب: الخليج في مواجهة التحول السياسي الأمريكي

الجمعة 6 نوفمبر 2026 11:30 صـ 25 جمادى أول 1448 هـ
سامر شقير
سامر شقير

أرى أن خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في الانتخابات النصفية الأمريكية تفتح مرحلة جديدة من الضبابية السياسية والاقتصادية، لا تقتصر آثارها على واشنطن، بل تمتد إلى الأسواق العالمية وتدفقات الاستثمار وتخصيص رأس المال المؤسسي، فرغم أن الانتخابات لم تشمل منصب الرئيس دونالد ترامب، فإن انتقال الأغلبية في الكونجرس إلى الديمقراطيين يضع سياسات إدارته الاقتصادية والخارجية أمام اختبار مؤسسي قد يحد من قدرتها على تمرير أجندتها خلال الفترة المقبلة.
ما يهم المستثمرين الآن ليس النتيجة السياسية في حد ذاتها، بل انعكاساتها المحتملة على مسارات الإنفاق والاستثمار في الولايات المتحدة، خصوصًا في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، إلى جانب تداعياتها على التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها العلاقة بين واشنطن وطهران، ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية في وقت تواجه فيه الأسر الأمريكية ضغوطًا معيشية متزايدة بفعل ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات التصعيد المرتبط بإيران.

السياسة الأمريكية تعيد تسعير المخاطر
أعتقد أن نتائج الانتخابات تمثل اختبارًا لمدى قدرة إدارة ترمب على مواصلة سياساتها الاقتصادية والخارجية بالوتيرة نفسها، فسيطرة الديمقراطيين على الكونغرس قد تعزز الرقابة التشريعية على قرارات الإدارة، وتزيد صعوبة تمرير بعض المبادرات، لكنها لا تعني بالضرورة توقف الاستثمارات الأمريكية أو تغير اتجاهات الاقتصاد بصورة فورية.
وفي الشرق الأوسط، قد تدفع موازين القوى الجديدة إلى تكثيف الضغوط السياسية باتجاه استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، أو على الأقل زيادة الحذر من الانزلاق إلى تصعيد عسكري جديد، وفي الحالتين، ستظل أسواق الطاقة شديدة الحساسية لأي تطور يمس الإمدادات أو أمن الممرات التجارية.
لكنني أرى أن قراءة هذه التطورات من منظور المستثمر تتطلب الفصل بين التقلبات السياسية قصيرة الأجل والأساسيات التشغيلية طويلة الأجل، فارتفاع أسعار الطاقة قد يدعم إيرادات الشركات المنتجة، لكنه يرفع في الوقت نفسه تكاليف الإنتاج والنقل ويزيد الضغوط التضخمية، بما يجعل أثره على الأسواق أكثر تعقيدًا من مجرد ارتفاع أسعار النفط.

 أرامكو والميزانية التوسعية.. ركيزتان للمرونة السعودية
في المقابل، يأتي الأداء الذي تجاوز التوقعات لشركة أرامكو، بالتزامن مع الميزانية السعودية التوسعية، ليعزز قدرة الاقتصاد السعودي على التعامل مع التقلبات الخارجية، وأرى أن أهمية نتائج أرامكو لا تقتصر على تجاوز تقديرات السوق، بل تمتد إلى ما تعكسه من قدرة تشغيلية وتدفقات نقدية توفران دعمًا للإنفاق الاستثماري وتمنحان المالية العامة مساحة أكبر للمناورة.
فالميزانية التوسعية ليست مجرد زيادة في الإنفاق الحكومي، بل تعكس توجهًا لمواصلة الاستثمار في القطاعات غير النفطية، والبنية التحتية، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية 2030، ومن وجهة نظري، فإن الجمع بين قوة التدفقات النقدية لقطاع الطاقة واستمرار الإنفاق على الأنشطة الجديدة يمنح الاقتصاد السعودي فرصة لتعزيز التنويع دون التخلي عن الانضباط المالي.
وهنا تبرز أهمية النظر إلى أرامكو باعتبارها جزءًا من منظومة أوسع لتخصيص رأس المال، وليس مجرد شركة تستفيد من تحركات أسعار النفط، فاستدامة التدفقات النقدية، والقدرة على تمويل الاستثمارات، والحفاظ على التوازن بين التوزيعات والإنفاق الرأسمالي، تظل عوامل أكثر أهمية للمستثمر المؤسسي من ردود الفعل اللحظية تجاه نتائج فصلية أو تطورات سياسية.

الذكاء الاصطناعي.. فرصة خليجية في ظل التحولات الأمريكية
أرى أن أحد الملفات التي تستحق متابعة خاصة هو مستقبل الاستثمارات الأمريكية في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، فقد تؤدي الأغلبية الديمقراطية الجديدة إلى زيادة التدقيق في بعض السياسات والتمويلات المرتبطة بهذه القطاعات، لكن من المبكر افتراض أن ذلك سيؤدي إلى تباطؤ جوهري في الاستثمار الأمريكي، بالنظر إلى المنافسة العالمية والطلب المتنامي على قدرات الحوسبة والبنية التحتية الرقمية.
في المقابل، قد تستفيد منطقة الخليج من أي إعادة توزيع جغرافي لرأس المال، بفضل توافر التمويل السيادي، ووضوح التوجهات الاستراتيجية، والرغبة في بناء بنية تحتية رقمية قادرة على استقطاب الشركات والاستثمارات الدولية، وتملك الصناديق السيادية الخليجية، وفي مقدمتها صندوق الاستثمارات العامة، فرصة لتعزيز حضورها في سلاسل القيمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة ومراكز البيانات.
لكن هذه الفرصة لا تتحقق بمجرد ضخ الأموال، فالمعيار الحقيقي هو قدرة المشروعات على بناء طلب مستدام، وتحقيق عوائد تشغيلية، وتطوير شراكات تقنية، وتكوين أصول قادرة على المنافسة عالميًّا، لذلك، ينبغي أن يرتبط التوسع الاستثماري بتقييم دقيق للتكلفة والعائد والمخاطر، لا بمجرد السباق على امتلاك البنية التحتية الرقمية.

إعادة تخصيص رأس المال.. ما الذي ينبغي أن يراقبه المستثمرون؟
في تقديري، قد تشهد الأسواق العالمية تقلبات خلال الأسابيع المقبلة مع إعادة تقييم المخاطر السياسية والتشريعية في الولايات المتحدة، لكن هذه التقلبات لا تعني بالضرورة تغير الأساسيات التي تحكم الطلب العالمي على الطاقة أو مسار التحول الرقمي.
أفضِّل أن يتعامل المستثمر المؤسسي مع المرحلة المقبلة من خلال توزيع أكثر توازنًا للمحافظ، يجمع بين الأصول المرتبطة بالطاقة ذات التدفقات النقدية القوية، والفرص المرتبطة بالاقتصاد الرقمي في السعودية والخليج، مع عدم المبالغة في التعرض للأسهم الأمريكية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قبل اتضاح اتجاه السياسات التشريعية الجديدة.
وهنا أستحضر ما يطرحه مورغان هاوسل في كتابه «سيكولوجية المال» حول أهمية التفكير طويل الأجل وعدم السماح للضجيج اليومي بتوجيه القرارات المالية، كما تظل قاعدة هامش الأمان التي يؤكدها بنجامين غراهام في كتابه «المستثمر الذكي» ضرورية عند تقييم الأصول، خصوصًا في بيئة تتداخل فيها المخاطر السياسية مع تقلبات الطاقة وتغير تكلفة التمويل.

 الأساسيات قبل الضجيج السياسي
أميل إلى أن المرحلة المقبلة ستجمع بين تقلبات سياسية قصيرة الأجل واستمرار التحولات الهيكلية في أسواق الطاقة والاقتصاد الرقمي، وقد تفتح هذه البيئة المجال أمام إعادة توزيع بعض التدفقات الاستثمارية نحو الأسواق التي تجمع بين الاستقرار النسبي، والقدرة على التمويل، ووضوح خطط التنويع الاقتصادي.
بالنسبة إلى السعودية، فإن قوة أرامكو واستمرار الإنفاق الاستثماري غير النفطي يوفران قاعدة مهمة لتعزيز المرونة الاقتصادية، لكن الحفاظ على هذه الميزة يتطلب توجيه رأس المال إلى مشروعات تحقق عوائد مستدامة، وتجنب التوسع الذي لا يستند إلى طلب واضح أو جدوى تشغيلية.
في النهاية، لا أرى أن خسارة الجمهوريين للكونغرس تعني تغيرًا فوريًّا في خريطة الاستثمار العالمي، لكنها تفرض على المستثمرين إعادة تقييم المخاطر المرتبطة بالسياسة الأمريكية، أما الفرصة السعودية والخليجية، فستتحدد بقدرة المنطقة على تحويل السيولة والإنفاق إلى أصول منتجة وتدفقات نقدية مستدامة، وهذا هو الفارق بين الاستثمار الذي يلاحق العناوين السياسية، والاستثمار الذي يبني قيمته على أساسيات اقتصادية قابلة للاستمرار.