سامر شقير يكتب: انتعاشة الجنيه تفتح شهية الاستثمار المؤسسي في مصر
بعدما تجاوز الدولار مستوى 56 جنيهًا، عاد الجنيه المصري ليسترد نحو 5% من قيمته في تحول يعيد رسم حسابات المستثمرين تجاه أحد أهم أسواق الشرق الأوسط، لكن السؤال الأهم ليس إلى أي مستوى ارتفع الجنيه، بل هل يمتلك الاقتصاد المصري مقومات كافية لتحويل هذا التعافي إلى استقرار مستدام، أم أننا أمام موجة تصحيح مؤقتة قد تتغير مع أول صدمة خارجية؟
أرى أن استعادة الجنيه نحو 5% من قيمته مقابل الدولار، وصعوده من مستويات تجاوزت 56.36 جنيه إلى نحو 53.70 جنيه، بعد موجة تراجع فاقت 7% خلال أكتوبر الماضي، تعكس تغيرًا في معادلة العائد والمخاطرة، فقد تزامن ذلك مع قرار البنك المركزي المصري رفع أسعار الفائدة 100 نقطة أساس في 29 أكتوبر، وتحسن إيرادات قناة السويس بنسبة 94% خلال الشهر لتصل إلى 724 مليون دولار، وارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 57.5 مليار دولار بنهاية أكتوبر.
في تقديري، تفتح هذه التطورات المجال أمام إعادة تقييم انكشاف المستثمرين المؤسسيين على الأصول المصرية، بشرط استمرار تدفقات النقد الأجنبي وعدم تجدد التصعيد الجيوسياسي.
الفائدة تعيد رسم خريطة الاستثمار
عاد سوق الصرف المصري للتحرك ضمن إطار المرونة الذي أقره البنك المركزي منذ مارس 2024، بعدما سمح للجنيه بالانخفاض إلى مستويات بدت مرتفعة مقارنة بأساسيات العرض والطلب.
وجاء قرار رفع الفائدة بصورة غير متوقعة، خلافًا لتوقعات السوق، ليغير حسابات المستثمرين، مع إعادة سعر الإيداع إلى 20% والإقراض إلى 21%، وهو ما عزز جاذبية أدوات الدين المحلية أمام المستثمرين الأجانب الذين قلص بعضهم انكشافه على السوق تحت ضغط التوترات الإقليمية.
وأرى أن القرار يعكس إدراكًا لدى البنك المركزي بأن تكلفة التأخر في مواجهة توقعات التضخم وضغوط العملة قد تكون أكبر من تكلفة رفع أسعار الفائدة.
تحسن موارد الدولار يدعم الجنيه
تعرضت العملة المصرية خلال الأشهر الماضية لضغوط مزدوجة، تمثلت في خروج الأموال الساخنة من أذون الخزانة المحلية وارتفاع فاتورة استيراد الطاقة بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية.
لكن تراجع أسعار خام برنت إلى أقل من 100 دولار للبرميل، وانخفاض أسعار الغاز في أوروبا، خففا من ضغوط فاتورة الواردات المصرية، ومنحا الجنيه مساحة إضافية للتعافي دون الحاجة إلى تدخل مباشر واسع من الاحتياطيات.
وهنا تبرز أفكار مورغان هاوسل في كتابه The Psychology of Money بشأن مبالغة المستثمرين أحيانًا في تقدير المخاطر قصيرة الأجل على حساب الأساسيات الاقتصادية طويلة الأجل، وأرى أن تراجع الجنيه خلال أكتوبر تجاوز ما تبرره بعض مؤشرات التدفقات الدولارية الأساسية، بما فيها التحويلات والسياحة والصادرات.
فرص استثمارية ومخاطر الأموال الساخنة
أفضل أن يعيد المستثمرون المؤسسيون تقييم استثماراتهم في الأسواق الناشئة وفقًا لمعادلة العائد والمخاطرة، وليس بناء على توقع استمرار اتجاه واحد.
فمرونة سعر الصرف أتاحت دخول المستثمرين الأجانب عند مستويات أكثر جاذبية، بالتزامن مع ارتفاع عوائد أدوات الدين، لكن الاعتماد المفرط على الأموال الساخنة يظل خطرًا، لأنها قد تسرع التعافي بالقدر نفسه الذي يمكن أن تسرع به التراجعات عند تجدد التوترات.
كما أن الاحتياطيات الدولية البالغة 57.5 مليار دولار توفر غطاء أقوى من مراحل سابقة، لكنها لا تغني عن ضرورة بناء موارد مستدامة من قناة السويس والتحويلات والاستثمار الأجنبي المباشر.
السيناريوهات المقبلة وتخصيص رأس المال
أعتقد أن الفرصة الرئيسية تتمثل في إعادة بناء الثقة تدريجيًّا في أدوات الدين الحكومية المصرية، خاصة إذا استمر تحسن إيرادات قناة السويس بعد أشهر من الاضطرابات في البحر الأحمر.
في المقابل، تظل تكلفة الفائدة المرتفعة على الموازنة العامة والشركات أحد أبرز التحديات، إلى جانب احتمالات خروج رؤوس الأموال مجددًا إذا تصاعدت التوترات الإقليمية.
وكما يوضح دانيال كانيمان في كتابه Thinking, Fast and Slow، فإن القرارات الاستثمارية تحتاج إلى تجاوز ردود الفعل السريعة تجاه الأحداث، والاعتماد على تحليل أعمق لاستدامة التدفقات النقدية.
وإذا استمر تحسن موارد النقد الأجنبي وتراجعت أسعار الطاقة، فقد يحتفظ الجنيه بجزء من مكاسبه ضمن نطاق مرن، بينما قد يتبدد التعافي سريعًا إذا عادت الأموال الساخنة إلى الخروج أو وقعت صدمة جيوسياسية جديدة.
لذلك أفضل التركيز على الأدوات الاستثمارية قصيرة ومتوسطة الأجل ذات العائد المرتفع، مع تحوط مناسب لمخاطر العملة، بدلًا من الرهان على استمرار صعود الجنيه دون انقطاع.
في النهاية، يعيد تعافي العملة المصرية التأكيد على أن الأسواق الناشئة تكافئ المستثمر الذي يقرأ الأساسيات الاقتصادية ولا يطارد التحركات اللحظية، ومن منظور سامر شقير، فإن الاستثمار المؤسسي في مصر يتطلب الالتزام بمفهوم هامش الأمان الذي طرحه بنجامين غراهام في كتابه The Intelligent Investor، من خلال اقتناص الفرص بعد التصحيحات السعرية ومراقبة العوامل التي تدعم استدامتها، وإذا واصلت قناة السويس والتحويلات دعم الاحتياطيات، فقد تظل أمام المستثمرين نافذة لإعادة تخصيص رؤوس الأموال نحو السوق المصرية قبل تغير المعادلة مجددًا.
